بقلم : حبيب ضومط
قال أمس المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل, عقب لقائه وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك, أن التزام الولايات المتحدّة الأميركية " بأمن اسرائيل " ثابت و لم يتغيّر, مكررا ما عبـّر عنه في دمشق عن " رغبة " واشنطن في إنجاز " سلام حقيقي و شامل " في المنطقة .
حريّ بنا هنا القول أن تصريح ميتشل ينطوي على ذكر علني لهدفين اثنين من الأهداف الأربعة المـُعلنة للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية, هذا اللوبي الذي تترأسه AIPAC ( آيباك ), و آيباك هي أكرونيم لاختصار خمس كلمات, American Israel Public Affairs Committee, و تعني اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة, أسسها في خمسينيات القرن المنصرم ( سي كينين, si kenen ) لدعم مصالح اسرائيل و تحقيق أهدافها عـِبر الضغط على الإدارات الأميركية المـُتعاقـِبة, واستخدام القوّة السياسية و الاقتصادية و العسكرية للولايات المتحدّة الأميركية بغيّة تحقيق مصالح اسرائيل, تضم عشرات الألوف في ولايات أميركا الخمسين و هم أهل الدفاع ضد أي أمر قد ترفضه اسرائيل و الحرص على إقرار الرفض الأميركي ضد ذات الأمر !
يجدر الذكر أن سيطرة الآيباك على الإدارات الأميركية - بسياستها و قراراتها - بما يخصّ اسرائيل و الشرق الأوسط يتمّ بشكل رئيسي عن طريق الكونغرس الأميركي, تشريعيـّاً, إلى جانب الضغط و السيطرة الرئاسية المـُعلنة المعهودة – مال, جنس, سلطة, تهديد ! - , من المؤكد بمكان القول أن الآيباك هي أقوى لوبي صهيوني ( جماعة ضغط ) في سائر أنحاء الولايات المتحدّة الأميركية بل و بتاريخها !!
على حدّ قول المبعوث الأميركي ميتشل, الولايات المتحدّة " تلتزم" بأمن اسرائيل و " ترغب " في إنجاز سلام حقيقي و شامل في المنطقة, و شتـّان بين " الالتزام و الرغبة ", بما يخصّ ضمان أمن اسرائيل فأميركا " تلتزم ", أما فيما يخصّ السلام فأميركا " ترغب " !!
نعود لنقول أن ما جاء على لسان المبعوث الأميركي ينطوي على ذكر صريح لهدفين اثنين من مجموع أربع أهداف لوبيّة صهيونيّة, بقيادة الآيباك, هذه الأهداف المـُعلنة هي :
1_ منع استحواذ إيران على السلاح النووي بأي شكل أو طريقة و مهما استدعى الأمر من تدخلات او حتـّى حروب !
2_ محاربة الإرهاب ! ( بالطبع النضال الوطني و المقاومة المشروعة كالانتفاضة الفلسطينية و المقاومة في جنوب لبنان تـُعتبر إرهابا من وجهة نظرهم !! ) .
3_ تحقيق السلام الحقيقي و الشامل !
4_ ضمان " أمن اسرائيل " لتكون قادرة على الوقوف و التحدي في مجابهة المخاطر المحدقة بها .
لربما, و أقول لربما افتراضا لحسن نيّة, لا يتوجـّب علينا أخذ كلام المبعوث الأميركي في سياق الكلام التاريخي الأميركي المحاكي و الملائم للمصالح الإسرائيلية دائما و أبدا – باستثناء بعض الاعتدال أثناء عهدي الرئيسين كينيدي و أيزهاور - , لكن لكي نكون كائنات فاعلة لها عيون ترى و آذان تسمع و بصائر نافذة, نرى أن شرح ما يرنو إليه " السلام الحقيقي و الشامل " و كذلك " ضمان أمن اسرائيل "- من وجهة نظر الإسرائيليين و اللوبي الصهيوني في أميركا الذي يعدّ امتدادا للحكومة الإسرائيلية في اسرائيل ! - هو أمر واجب و ضروري, ذلك أن التاريخ يخبرنا بأمثلة كثيرة عن طول الساعد الإسرائيلي في أميركا و تحريك سياساتها, لا يـُخفى على أحد أنّ انتقاد اسرائيل في الكنيست الإسرائيلي أسهل منه في الكونغرس أو مجلس الشيوخ الأميركيين !, في بداية ثمانينيات القرن الماضي قامت اسرائيل بقصف المفاعل النووي العراقي قرب بغداد, و حرصت الآيباك كل الحرص على تسجيل الموافقة الأميركية على هكذا أمر رغم رفض الرئيس الأميركي حينها " ريغان " لهكذا تصرف كفيل بإشعال حرب جديدة في المنطقة, فقد قامت الآيباك بتوزيع بيان على أعضاء الكونغرس يـُبـَرر الضربة الاسرائيليّة للمفاعل العراقي, حصل ذلك قبل ساعة كاملة من إذاعته على لسان رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه !!
بالعودة لجورج ميتشل, يتحدّث المبعوث الأميركي لوزير الدفاع الإسرائيلي عن " إلتزام " الولايات المتحدّة الأميركيّة " بضمان أمن اسرائيل ", ضمان أمن اسرائيل ليس ألعوبة أو مجرّد تحالف حيادي لا يقتضي شيئاً من الطرف الضامن !!
التزام دولة كالولايات المتحدّة الأميركية " بضمان أمن " دولة استيطانيّة غاصبة كإسرائيل, يقتضي الكثير الكثيـر !!
" ضمان أمن " يماثل هكذا " ضمان " يقتضي من الطرف الضامن – الأميركي – مساندة اسرائيل سياسيا, اقتصاديا, عسكريا و دبلوماسيا ضد انتشار أي أسلحة ترى اسرائيل في انتشارها خطرا عليها, هذا الضمان يعني محاربة أميركا لإرهاب, لا أي إرهاب بل الإرهاب الذي تصوّره لها اسرائيل و فقط اسرائيل, و لا ريب أن جميعنا يعلم من هم الإرهابيون من وجهة نظر اسرائيل !!
تضمن أميركا أمن اسرائيل سياسيّاً بوضع كل قرارات الأمم المتحدّة بحقّ اسرائيل في الأدراج, لا موضع التنفيذ !, مثلما تحمي أميركا اسرائيل من الشرعيّة الدوليّة رغم رفض اسرائيل تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 442 القاضي بإعادة كل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967, أو القرار المتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين رقم 194 و التي ترفض اسرائيل حتـّى بحثه فكيف الأمر بتطبيقه ؟
كل هذا الغطاء الأميركي دوليا ينطوي تحت لواء " الإلتزام بضمان أمن إسرائيل " !!
أمن اسرائيل يقتضي ضمانه أميركيا تقديم مساعدات بقيمة ما يوازي 3 مليار دولار أميركي سنويا, عدا التبرعات القائمة على الأراضي الأميركية لمساندة اسرائيل !!
يقتضي التزام أميركا بضمان أمن اسرائيل عسكريا ما لا تـُحمد عـُقباه مستقبلا !!
مثل الالتزام بفرض العقوبات الأميركية على دول الممانعة لاسرائيل مثل سوريا و إيران, أو عزل منظمات حزب الله و حماس مع عقوبات على المؤسسات حاوية أموال هذه المنظمات و تجميدها, أو تجميد أموال أفرادها و مصادرتها !
ضمان قدرة إسرائيل على الدفاع ضد الصواريخ البالستية التي تشكل جوهر القدرة العسكريّة للدول المتحاربة مع اسرائيل, ذلك عـِبر تطوير و تقديم صواريخ السهم ( Arrow ), أو تدمير صواريخ قريبة المدى ( كاتيوشا ) بليزر ( Laser ) عالي الطاقة يدمّرها في الجوّ !!
هذا و لم نتحدث بعد عن ما سيقتضيه ضمان أمن اسرائيل من التزامات أميركية عند الأخذ بعين الاعتبار أن اسرائيل قد تدخل مستقبلا في حروب نووية و بيولوجية و كيماوية !!
ضمان أمن اسرائيل دبلوماسيا يتضح لنا تماما في مؤازرة أميركا لاسرائيل مطلقا في جميع جولات المفاوضات بدءا ( بكامب ديفيد ) مرورا ( بمدريد ) وصولا للمفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل و سوريا الموقوفة بسبب ما حدث في غزّة ..
هذا فيما يتعلـّق بتذكير المبعوث الأميركي للإسرائيليين عبر وزير دفاعهم إيهود باراك أن " التزام " الولايات المتحدّة الأميركية بضمان " أمن اسرائيل " ثابت و لم يتغيّر, أمّا عن " رغبة " واشنطن بإنجاز سلام حقيقي و شامل بحسب مفاهيمنا القوميّة, فهيهات, اللهم إلا إذا كان يقصد السلام بحسب المفهوم الإسرائيلي توءم الأميركي, و هذا ما سنتكلم عنه لنرَ ما قد يـُقصد بسلام حقيقي و شامل يهمّ الولايات المتحدّة الأميركيّة, من باب ضمانها لأمن اسرائيل, أن يلائم هذا السلام اسرائيل قبل كل شيء, قبل أي طرف, حتـّى قبل مصالح أميركا نفسها !
على السلام بين طرفين ليكون سلام فعلا أن يقوم في ظل توازن قوى لا تفاوت بليغ !, في وضعنا الراهن و عندما نتكلم عن السلام مع اسرائيل كعرب - و كطرف ضعيف جدا - , و اسرائيل - كطرف قويّ جدا - , فنحن فعلا نتكلم عن استسلام لا سلام !!
فباستبعاد الموقف السوري القويّ أو الحظوة السوريّة لدى القوى العالميّة, أي قوّة عربيّة قادرة على خوض مفاوضات سلام قد يبقى ؟!
أميركا تتحدث عن السلام, سابقا جاء الرئيس بوش " بخارطة الطريق ", و هي تقول بقيام دولتين فلسطينية و إسرائيلية قابلتين للحياة جنبا إلى جنب, تظاهرت قوى اللوبي الصهيونيّة بتأييد " خارطة الطريق" لكنها عاجلت باتخاذ الخطوات لإجهاضها رغم انطواء " خارطة الطريق " على بعض ٍ من بعض الحق الفلسطيني !
يومها قدّم شارون 14 تحفظـّا على " خريطة الطريق " و سرعان ما بدّل الرئيس بوش موقفه من الخريطة أيضاً !, ثم جاءت تصريحات المسؤولين الأميركيين كأن شارون يمليها عليهم و ما عليهم سوى قراءتها !
اشترطوا على الفلسطينيين أن يؤلفوا حكومة ديمقراطية تنهي كل أعمال الإرهاب, طبعا تأليف هكذا حكومة يـُطلب منها القضاء على الإرهاب " الحماسي " سيؤدي إلى تحويل الانتفاضة ضد اسرائيل إلى حرب فلسطينية – فلسطينية بين فتح و حماس, و هذا ما حدث !!
أرسل 88 عضو في مجلس الشيوخ من أصل مئة إلى الرئيس بوش يؤيدون تدخل الولايات المتحدة الأميركيّة في عملية السلام عـِبر خارطة الطريق, على أساس الدولتين, لكن يحذّرون من أن تـُطالب إسرائيل بمطالب كثيرة قبل أن يقوم الفلسطينيون بما يترتب عليهم, و قام العديد من أعضاء الكونغرس يطالبون الفلسطينيين بالتعهدات الأمنيّة قبل أن تقوم اسرائيل بأي عمل تنفيذي !!
نرى أن العداء لخارطة الطريق, رغم إجحافها لحق الفلسطينيين, فمثلا, هي تتناول إزالة المستوطنات " غير الشرعية " المبنية بعد آذار 2001 و كأن باقي المستوطنات شرعيّة !
كان من الضروري طرح ما طـُرح هنا لنتبين ما قد يكون حقيقة الموقف الأميركي من بعض الكلام الدبلوماسي المـُرمى في تل أبيب و دمشق على لسان المبعوث الأميركي, كما أنـّه من الضروري أن نعي حقيقتنا, لا أن نظل أخيلة لكائنات بصائرها مثبـّطة, عيونها لا ترى و آذانها لا تسمع, أعرب ٌ أم دمى ؟!