قد يعتري البعض شعور بتناغم ديني دنيوي , كلّ بحسب دينه , لكن الحقيقة الواقعة أننا الآن في أمّتنا و مجتمعنا نحيا " عصر أوروبي أوسط " , نحيا في مجتمع متنوّع دينياً , متحد دنيويّاً , من هنا تبزغ ضرورة إيجاد ثقافة حياتيّة - سلطويّة - تتناغم مع ما هو متحد في مجتمعنا أي دنيويتنا ؛ و لمّا وجد أغلب المفكّرون السوريّون في القرن المنصرم صعوبة فصل الدين عن المجتمع و تعلّق الأفراد بالماورائيات ردّاً على الماركسية الإلحاديّة , الذي أدّى إلى الإمتعاض من الفكر العَـلماني و السعيّ الدؤوب من أطراف معيّنة بإظهار هذا الفكر الدنيوي على أنّه وحش تكفيري مفترس , مما حذا بمفكرينا أن اكتفوا بالمطالبة بفصل الدين عن الدولة فقط , و بمنع رجال الدين من التدخل بالقرارت السياسيّة , أمثالهم جبران خليل جبران - 1883 , 1931 - , و أنطون سعادة - 1904 , 1949 - , و آخرون كثر أمثال اليازجي و أدونيس و سعد الله ونّوس ... , للأسف حتّى مطلبهم هذا المقولب أساساً بما يتناسب مع قدرة الجماعة على الفهم ما وجد ترحيّباً , العلّة الأولى لفشل الفكر العَلماني سابقاً هي ربطه بدول و أحزاب و معسكرات , انهيار هذه القوى شكّل إنهيار هذا الفكر بالنسبة للبعض , و قد لعبت الحركات الأصولية و الدينية المرافقة لفشل هذه القوى دوراً كبيراً في استميال الناس نحو الفكر الديني و رفض الآخر , كنشوء الكتائب اللبنانية في الثلاثينيات و تعاظم قوة الإخوان المسلمين في الثمانينيات و الأمثلة كثيرة , لكن النتيجة واحدة : إقتتال طائفي مـُلازم للتقسيم الطائفي للمجتمع , و نرى في لبنان و العراق أمثلة حاضرة أمامنا .
من هذا كلّه , يتضح لنا ضرورة السعي للوصول إلى مجتمع مدني , يبتعد عن الفكر الثيوقراطي العسكري الشمولي , و يؤمن بالتعددية السياسيّة , و ضرورة إحترام المعتقدات الدينية للغير شرط بقائها في أماكن العبادة و قلوب المؤمنين , مما سيوّلد ثقافة مجتمعاتية مدنيّة حضارية تؤمن أن الدين لله و الوطن للجميع ؛ ينتج لاحقاً عن تعميم هذه الثقافة انبثاق سلطة مدنيّة , تسنّ القوانين بحسب المنطق البشري , و مراعاة هذه القوانين تعصم الفرد عن الخطأ في التصرف و الفكر أيضاً , و تكفل تعامل المواطنين بعضهم مع بعض بناءً على يسنّه الشارِع من أحكام يرى أنّها فضلى و تحقق المصلحة العليا و تـُراعي مـُثل الحقّ و الخير و الجمال و العدالة , قوانين و تشريعات جديدة تكفل تحطيم أطر جامدة تقليديّة باليّة , قوانين تكفل لرجال الدين احترام مكانتهم شرط ابتعادهم عن التدخل بالقرارت و السبل التربويّة السياسية و المجتمعاتية , قوانين تـُلزم المواطنين بضرورة العيش ضمنها بمؤيدات حضارية تبحث في أسباب المخالفات و طرق معالجتها , بعد إنشاء شعور عام بالمواطنة و الإختلاف الفكري الحضاري لا التكفيري و الترهيبي , قوانين تكفل ضرورة التعامل بين المواطنين بحسب المفاهيم البشريّة و مقتضياتها و اتفاقها مع القانون حُكماً , قوانين تضمن رُقيّنا .








said:
said:




من لبنان