أســمــريـّـات
صـراخ كـلـمـة ...
إيـديـولـوجـيـا الـمـقـاومـة , بـيـن عَـلـمـانـيّـتـها و ديـنـيـتـهـا
 
الإضاءة على إشكاليات حقيقية موجودة - إن صحّت التسمية - , مثل المقاومة الإفتراضية أو الكلام العبثي أو التحجج بالظروف الراهنة أو الاستسلام تعليلاً بضعف المقدّرات و تلاشي أي توازن في القوى .. إلخ , تلائمها هنا قاعدة فلسفية بسيطة ," الموضوعة لا تثبت نهائيّاً بنفي النفي , و النفي لا ينفى قبل ثبوته بكامل قوّته " , أي أن أي فعل لا ينفى لحين استكماله قوّته كاملة , مع ما ينتج عن هذا الفعل من ردود أفعال , تنتهي وجوباً أيضاً بانتهاء الفعل .

إذاً إن شئنا أن نرمي بوزر تفكيرنا على المنطق و الفلسفة , أرى أن أي عمل مقاوم يستحيل أن ينتصر قبل إتمام أركانه و نضوجه التام , و إتمام أركان الفعل المعتدي كذلك من وقت و عتاد و إيديولوجيا تشكل دافع أساسي لهذا الفعل أو ذاك .

فلا نصر دون إعتداء , كما أنّه لا حرب بدون متخاصمين , و إستكمال كلا الطرفين لقوتهما هو شرط لازم لا محالة .

و لنسقط الكلام الآنف برمّته على الوضع في أراضينا المحتلّة , في سعي دؤوب لتكوين وجهة نظر صحيحة و موضوعية لاعاطفية و غير مصلحية بالدرجة الأولى .

و لأن أصل التعيين الوضوح , نجد أنفسنا ملزمون بتعيين أهم هذه الإشكاليات , مع معالجة مستقلة لكلٍ منها , لا تقوم على تبريرها عشوائياً , بل على التيقن منها و تقديم الأسباب المنطقية و المقنعة المسببة لوجودها , أهم الإشكاليات المطروحة :

1_ المقاومة الإفتراضية غير المقترنة بالفعل المادي أيّاً كان - المقاوم العسكري تحديداً - .

2_ التضحية بالشعوب فداء الحكّام أو بالأحرى مصالح الحكّام .

3_ التخاذل الديني المـُعلن , و صوابيته إيمانيّاً - و لا ضير في ذلك لنوال الحياة الأبدية من الناحية الروحية و اللاهوتية - .

4_ إنعدام أي تكافؤ فرص في إنتصار عاجل أو آجل .

5_ إمكانية إعتماد السلام كحلّ نهائي يرضي جميع الأطراف .

بداية , علينا أن نعي و كما يثبت لنا التاريخ بإدراجه العديد من الأمثلة , أن المقاومة تلاقي أوجها في وجهها العسكري , هذا إن أمكن الأمر , لكن كذلك الحال , لا تنفي عسكرية المقاومة , فكريّتها أو محاربة ما يقابلها من أفكار بالطرق الكلامية الحواريّة , لذا وجدت جناحات عسكرية للمقاومة , لا فقط مقاومة عسكريّة , كون القاعدة العامة – أي العوام – و الصفّ الجماهيري أحد أهم أسباب استمرار أي مقاومة , لا و دعمها أيضاً و بمبالغة ممكنة تمكينها من الانتصار حتّى !

إذا القول , و باختصار شديد جداً , أن خطّ الأقلام و نطق الجمل هو أحداث خاوية لا تحدث أي نتيجة هو قول خاطئ , مردود على أصحابه خاصة أصحاب الرؤى الدينية – و أخصّ هنا المسيحية - , كون القول حتّى المسالمة أهم طرق نشر المسيحية في بداياتها , قبل اعتناق الإمبراطور قسطنطين لها و إصداره مرسوم ميلانو الشهير .

يتلو الإشكالية المـُعالجة أعلاه , نشر فكرة التضحية الشعوبية فداء لمصالح الحكّام و رجالات السياسة – و هنا رجال الدين الأفاضل قادرون على لعب الدور الأكبر و أخذ الباع الطويل لما تمتلك كلمتهم من استتباع لطائفة بأكملها أن شاؤوا - , و هنا لا أنفي صوابيّة الفكرة تماماً بل و واقعيتها أيضاً , لكن كذلك الأمر هذا لا يأخذنا إلى تعميم على كل رجل سياسة و تيّار جماهيري يستتبعه بأنه استتباع أعمى كفيف!

مثلاً , إن عدم قدرة " أسامة حمدان " - ممثل حركة حماس في لبنان- على التواجد في غزّة لا يعني تخاذله و تقديم شعب غزّة كتضحية و كفارة من قبله و تحصيله نتائج المقاومة و هو جالس في برجه العاجي مثلاً , قد يكون الأمر كذلك لكن ما تملكه أيدينا من مـُعطيات لا يوصلنا لنتيجة تنافي ما ذُكـِر !

فيما يخصّ المسيحية , و هنا أخصّ المسيحية لأن المحمّدية تتضمن فكرة الجهاد بأوقات محددة و بشروط محدّدة و بحسب أفعال محدّدة استوفاها الإعتداء الإسرائيلي على غزّة فكان الجهاد و الدعوة للجهاد , لكن خلو المسيحية من إيديولوجيا المقاومة مشكلة عويصة و مـُعضلة حقيقية , هي السبب الرئيسي بتوجيه أصابع الاتهام نحوها و نحو معتنقيها بحقّ , مما يجعلهم عرضة ليكونوا يهود داخل أو طابور خامس , فقط لأنهم يتكلّمون بما يؤمنون , و نحن نقدّر هذا عالياً و نحترم معتقداتهم , لكن كذلك الأمر إن قولنا الدائم و المتكرر لفصل الدين عن القرارات السياسية , أصبح ملازماً الآن وجوباً لقولنا بفصل الدين عن المصالح الشعبية أيضاً و القرارات الضامنة لهذه المصالح ! فما استطعنا أن نوفّق بين جوهر ديني و قرار سياسي يحتّم الاقتتال , قد ينبري أحدهم و يقول بأن الحياة الأبدية هي الأهم , هنا أقول تركنا من كان للحياة الأبدية لحياته الأبدية , و من شاء حياته الدنيوية فليقرأ ما نقول .

وصولاً لتكافؤ الفرص الواضح , و هنا يحضر أمامي مثال الحكومة الفرنسية الضعيفة بمقدّراتها أيام الإحتلال النازي لفرنسا , و ما إستطاعت تحقيقه بمؤازرة الدول المجاورة و الحليفة , ما أهدف لقوله أننا قادرون على استغلال ما نملك من علاقات و أفكار و معتقدات , و ربطها مع ما يجاورنا من شعوب و أمم , فيا أصدقائي , صورة الفلسطيني المقتول من قـِبل اليهودي لا تدلل على أنّه فلسطيني ! , و كثيراً ما شهدنا تزويراً للحقائق , إذا ليس التكافؤ حالة محصورة بالتوازن العسكري , باستطاعتنا إيصال ما يحصل في أراضينا المحتلّة بإختلافها لكل المعمورة , و هنا دور المقاومة الإفتراضية , و هنا قد نحصد ما حصدته حكومة فرنسا الحرّة رغم وجودها خارج أراضي الإقليم الفرنسي البرّي و المائي و الجوّي .

أخيراً , و بإيجاز بسيط و قراءة أبسط للتاريخ و ما يقدّمه , و لما لا يزيد عن السبعين عاماً فقط , نستطيع القول و بالفم الملآن , أن حربنا مع اليهود هي حرب وجود - مناطقي - لا حدود , فقولاً واحداً , أي مقولة أو كلام عن سلام مفترض , مرفوض أسرائيلياً و يهودياً قبل أن نلصق به الرفض السوريّ , لذا علينا و من الواجب كذلك أن نبحث عن طريقة أخرى لأخذ حقوقنا , خير الطرق هي المقاومة - بكافة أنواعها - .

أطلتُ و أسترسلتُ و أستفضتُ في الكلام و الشرح , محاولاً إحاطة المقاومة كمقاومة من جميع جوانبها , إبتداء من فكرتها كإيديولوجيا حتّى تطبيقها الواقعي المادي , تنويهاً أن أي قول هو تحت سقف النقاش الواعي , لا مقابلة أي فكرة عـَلمانية - دنيوية - بمعتقدات و أفكار دينية , تجنّباً لوضع العـَلمانية و الدين في خانة التنافس , هذا ما ليس الحال عليه , بل فقط - و حصراً - شرحاً لفكرة أن الدين لله و الوطن للجميع , و شخصيّاً أي تعارض بين الله والوطن - إن حدث - , فاختياري هو الوطن , و لينبذني الله .


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
صفحة جديدة 1

To Contact , Email me to : habib.doumet@gmail.com